جرائم الصليبيين في بيت المقدس
وبعد أن دخل الصليبيون المدينة المقدسة، تملَّكهم روح البطش والرغبة في سفك دماء العزَّل الأبرياء، فانطلقوا في شوارع المدينة وإلى المنازل والمساجد يذبحون كل من صادفهم من الرجال والنساء والأطفال، واستمر ذلك طيلة اليوم الذي دخلوا فيه المدينة. وفي صباح اليوم التالي، استكمل الصليبيون مذابحهم، فقتلوا المسلمين الذين احتموا بحرم المسجد الأقصى، وكان أحد قادة الحملة قد أمَّنهم على حياتهم، فلم يراعوا عهده معهم، فذبحوهم وكانوا سبعين ألفًا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبَّادهم وزهّادهم ممن فارقوا أوطانهم وأقاموا في هذا الموضع الشريف.
ويعترف مؤرخو الحملات الصليبية ببشاعة السلوك البربري الذي أقدم عليه الصليبيون، فذكر مؤرخ صليـبي ممن شهد هذه المذابح وهو "ريموند أوف أجيل"، أنه عندما توجه لزيارة ساحة المعبد غداة تلك المذبحة، لم يستطع أن يشق طريقه وسط أشلاء القتلى إلا بصعوبة بالغة، وأن دماء القتلى بلغت ركبتيه، وإلى مثل هذا القول أشار "وليم الصوري"، وهو الآخر من مؤرخي الحروب الصليبية.
وكتبوا إلى البابا يفتخرون بما فعلوا دون وازع من خلق أو رادع من دين، فما لامهم ولا استنكر فعلتهم! ودمروا ما شاء لهم أن يدمروا ، ونهبوا الكثير، كما نهبوا بعض المعادن النفيسة التي كانت على المقدسات، ولا سيما قبة الصخرة.
في غضون ذلك، وصلت سفارة مصرية إلى بيت المقدس، وطلبت من الصليبيين الرحيل من البلاد، وتقدم "الوزير الأفضل" نحو فلسطين، فوصل عسقلان في 4 آب، وخرج "جودفري " بجيشه من بيت المقدس لمواجهة جيوش المصريين في 9 آب 1099، واحتشد الجيش الصليـبي في سهل المجدل (شمالي عسقلان)، حيث كان يعسكر الوزير الأفضل الذي فوجىء بتلك الجموع وولى الأدبار إلى مصر بحراً، وبذلك أصبح احتلال الصليبيين لبيت المقدس مؤكداً، وما لبث أن استولوا على الجليل وطبريا وحيفا وقيسارية وغيرها.
وعلى أثر ذلك، أصبح "جودفري دي بويون " هو الحاكم الذي منح لقب المدافع عن كنيسة القيامة، وراحوا يتطلعون إلى المزيد من الصليبيين الجدد من أوروبا، وأقاموا بطريركية رومانية، وصبغوا البلد بالصبغة الكاثوليكية.
وفي 11 تشرين الثاني عام 1100 م أصبح "بلدوين الأول " على رأس مملكة الصليبيين في بيت المقدس ، وقد استمرت هذه المملكة 87 سنة، ولم يسمح للمسلمين ولا غيرهم بالإقامة داخل المدينة، وبدأوا العمل من أجل التخلص من الثقافة العربية في المنطقة وجعلها لاتينية، وساد نظام الإقطاع في الإدارة الذي كان سائداً في أوروبا، فكانت الأرض كلها ملكاً للفرسان.
--------------------------------------------------------------------------------
المصادر والمراجع
ابن كثير: البداية والنهاية، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، القاهرة، (1419هـ= 1998م).
ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، (1386هـ= 1966م).
سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة،1982م.
فايد حماد محمد عاشور: جهاد المسلمين في الحروب الصليبية، مؤسسة الرسالة ، بيروت، (1405هـ= 1985م).
صلاح الدين محمد نوار: العدوان الصليـبي على العالم الإسلامي، دار الدعوة، الإسكندرية، 1993م.
_________________
